
إنها مدرسة التوحيد التي تلقَّاها صحابةُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن مُعلِّم التوحيد – عليه الصلاة والسلام – ثم قال له: «والله يا خالدُ إنك عليَّ لكريم، وإنك إليَّ لحبيبٌ»، وقال مُتمثلًا: «صنعت فلم يصنع كصنعك صانعٌ، وما يصنع الأقوام فالله يصنع».
ولما ولَّاه أبو عبيدة بعد زمنٍ من عزله قنِّسرين، قال عمر – أي: بعد أن فتحها خالد – قال له عمر: «أمَّر خالدٌ نفسَه، أمَّر خالدٌ نفسَه، رحِمَ الله أبا بكر، رحِمَ الله أبا بكر؛ هو كان أعلم بالرجال مني»، وخالد يقول في حق عمر: «كان عمر يريد اللهَ بكل ما يفعل و يصنع»، ولا غَرْوَ فهُم صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تلك المدرسة التي تُؤتِي ثمارها الطيبة في كل حين.
فمن مدرستهم وآثارها الخَيِّرة: ما ذكره المؤرخون أن صلاح الدين – وهو من هو في الفتوحات الإسلامية العظيمة – لم يترك في خزائنه من الذهب سوى دينارٍ واحد وستةٍ وثلاثين درهمًا، ولم يترك غيرها من الدور والعقار.
إنهم رجال أُقيمت حياتهم تحت ميزان الشرع، وتحقيق التقوى والخضوع للمولى، رجالٌ ارتبطوا بالله – جل وعلا – واعتزُّوا بدينه، وانتصروا بالتوكُّل عليه، فأين حال الأمة اليوم، وما يحصل من التنازع والتدافُع على السلطة وعلى الرئاسة مما لا يجهله أحد؟!
كان عُبادة بن الصامت على ميمَنة جيش المسلمين في حصار قيسارية فقام واعظًا وقال: «يا أهلَ الإسلامِ إني كنت من أحدث النُّقَباء سنًّا وأبعدهم أجلًا، وقد قضى الله أن أبقاني حتى قاتلتُ هذا العدد معكم، والذي نفسي بيده؛ ما حملتُ قطُّ في جماعة من المؤمنين على جماعةٍ من المشركين إلا خلّوا لنا الساحة، وأعطانا الله الظَّفَر عليهم، فما بالُكم حملتم على هؤلاء فلم تزيلوهم؟»، ثم بيّن لهم ما يخشاه منهم فقال: «إني – والله – لخائفٌ عليكم خصلتين أن تكونوا قد غلَلتم، أو لم تُناصحوا الله في حملتكم عليهم»، فتحقّق لهم النصر والظفَر بالصدق والإخلاص، وصدق العزيمة وقوة الإرادة، والمحبة الصادقة لله ولرسوله – صلى الله عليه وسلم -.
من هذه الدروس: أن المسلمين المؤمنين المُوحِّدين لا يأسَ عندهم ولا يُساوِرُهم قُنوطٌ أبدًا ما دامُوا مُعتصِمِين بالله مُتوكِّلين عليه؛ بل يعلَمون أن ظلام الليل يعقُبُه نورُ الصباح، وأن العُسْر يتلُوهُ اليُسْر، وأن الكرب يعقبه الفَرَج؛ فهم مهما اشتدَّت بهم الكُرَب وعَلَتهم المِحَن، فهم بإيمانهم أقوياء، وبتوكُّلهم على ربهم أشدَّاء.
كتب عمرو بن العاص إلى عمر عند فتح القدس يُخبِره ويستشيره بوضع قائد الروم وما هو عليه من الدهاء والنكاية بأعدائه، ووصف أن له جندًا عظيمة في فلسطين وبإيليا، فقال عمر – رضي الله عنه – كلمته الشهيرة التي تنمُّ عن ثقةٍ بالله – جل وعلا -: «قد رَمَيْنا أرطبون الروم – أي: قائدهم – بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج»، فكانت المعركة التي انتصر فيها عمرو على الروم، والتي مهَّدَت الطريق إلى فلسطين.المراجع